الدنيا والآخرة

"أفرأيت إن متعناهم سنين ثم جاءهم ماكانوا يوعدون ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون"  

ان العقل السليم الواعي ليدرك تماما أن من العدالة ألا يعيش الناس سدى وأن تكون لحياتهم هدف ومعنى ، وأن الخالق الذي اتفقنا أنه خلقنا لم يفعل ذلك لنعيش يأكل القوي منا الضعيف ، ثم نموت هكذا دونما أن يحاسب الظالم على ظلمه ، فهل من المنطقي أن يعيش الظالم سعيدا والمظلوم تعيسا ثم يموتا دون أن ينال كل حقه ؟ هذا الأمر لا يرتضيه أحد أبدا ، ولهذا كانت أغلب الديانات القديمة تؤمن بالحياة الأخرى وبالبعث بعد الموت ، صحيح أن البعث بعد الموت حقيقة ، لأن الذي خلقك من العدم وبث فيك الروح عندما لم تكن شيئا لقادر على إعادة روحك إلى بدنك حتى لوصار هباء منثورا ، ولكننا نختلف مع تلك الأديان في أنها كانت تناقش ذلك بشئ من التخلف ، حتى بات الأمر أشبه بالأساطير ،أما ما نقوله الآن فهي مناقشة علمية وبالإقناع بالأدلة العقلية ، فكما قلنا سابقا ليس من العدالة أن نبقى هكذا دونما حساب للظالم وجزاء للمظلوم ، ثم أن من رحمة الخالق -عز وجل -بنا أن يكون مبدأ البعث واليوم الآخر هي الدوافع التي تجعلنا ننتظم في حياتنا - بعد رغبتنا في إرضاء خالقنا -  فالظالم سيفكر ألف مرة قبل أن يظلم وذلك لأنه يعلم أنه سيأتي عليه يوم ليحاسب فيه ، والمظلوم - إن وجد - سيصبر على ما أصابه ولن يسخط ولن يقنط ، لعلمه بأنه سيأخذ حقه إن عاجلا أم آجلا ، وبهذا التنظيم الحكيم ينصلح حال المجتمع وينشأ في نفس كل فرد منه وازع ديني يحميه من الانحراف عن الأخلاق الحميدة التي ينشأ عليها في ظل دين صحيح 

  ومن المنطقي أن نفترض أن الخالق - تبارك وتعالى - قد أعد في الآخرة للمحسنين المطيعين لربهم جزاء لايوافق أعماله فحسب وإنما يوافق عظمة المعطي ، فلك أن تتخيل عطاء الإله الذي خلق كل هذا الكون لمن يطيعه  ، و الجحيم الذي يعده للذين كفروا به ، فكان وعده - تعالى - للمطيعين بالجنة التي تحوي من النعيم ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ، نعيم يليق بالمنعم العظيم الحكيم الكريم ، أما من لم يظفر بذلك النعيم فإنه سيكون في ذلك الوقت هناك في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا ، نار تناسب مع فظاعة الجرم الذي ارتكبوه بكفرهم بخالقهم الذي جاء بهم إلى هذه الحياة وأنعم عليهم نعما لا تحصى ، فلو أن أحدهم حاول أن يحصي نعم ربه عليه لما كفاه عمره كله ليصل إلى منها  فكل ماحولك نعمة ، وكل ما فيك نعمة من نعم خالقك عليك ، فإن كان جزاء كل هذه النعم هو الكفر ، فماذا تتوقع أن يكون جزاء الكفر ؟ هذا العذاب الأليم وذلك النعيم العظيم اللذان لا موت فيهما ، و إنما حياة أبدية بلا نهاية ولا آخر هما ما يجعلان المرء يلتزم بتعاليم دينه أشد التزام لينجو من العذاب  ويفوز بالنعيم ، ولكن الأهم من ذلك هو حب الخالق ، والرغبة في إرضائه وشكره غلى رحمته بنا ونعمه التي لا تحصى

ويأتي الحساب ، 

وتقف أمام ربك لتقرأ صحيفة أعمالك ، ويذوب لحم وجهك خجلا من سيئاتك ، 

أيمكنك أن تتصور نفسك بين يديه وهو يسألك ويقول لك : أي فل ألم أكرمك وأسودك (أجعلك سيدا) وأزوجك و أسخر لك الخيل والإبل وأذرك ترأس وتربع ؟ فتقول : بلى ، فيقول : أظننت أنك ملاقي ؟ فتقول :لا ، فيقول : فإني أنساك كما نسيتني

أتستطيع أن تقول له يارب لقد خلقتني وأنعمت علي ولكنني كفرت بك ولم أعبدك وعصيت أوامرك وكذبت رسلك؟ 

هل تقوى على أن تقف أمامه محمل بالذنوب والمعاصي ؟

إن الحساب أمر عسير جدا ،وإن لم تدرك ذلك في الوقت المناسب وتستعد له ، فإنك ستخسر خسارة شديدة ، خسارةلا تحتمل

إن الإنسان العاقل هو الذي يدرك أن حياته مقسمة إلى مرحلتين : الأولى في الدنيا  ، والثانية في الآخرة ، وأن الموت ليس نهاية الحياة وإنما هو نقلة من مرحلة لأخرى